
هناك نظامين يعمل بهما الدماغ و لكن يعتبر النظام الثاني الواعي و المدرك، أحد أحدث الإضافات التي قمنا بإضافتها إلى دماغنا.
فهو يساعدنا على النجاح في عالم تحولت فيه أولوياتنا من العثور على الطعام و المأوى فقط، إلى اتخاذ قرارات أشد تعقيداً.
و بالفعل فإن معرفة متى يقوم عقلك بالكذب عليك، تمكنك من الفوز بنصف المعركة.
هل تساءلت عزيزي القارئ يوماً عن سبب حصول ألبرت أينشتاين، على جائزة نوبل؟
لابد و أنك تفكر الآن في أشهر معادلة من معادلاته " "e = mc² " و التي تعبر عن قانون النسبية الخاصة special relativity.
إلا أنك و لسوء الحظ ، ستكون مخطئاً فيما لو أعتقدت ذلك .
و ذلك لأن ألبرت أينشتاين حصل على جائزة نوبل لاكتشافه "التأثير الكهروضوئي photoelectric effect ".
حيث افترض أينشتاين أن الضوء لا ينتقل في شكل موجي فقط ، بل ينتقل أيضاً في جسيمات منفصلة ، و هي نظرة ثاقبة ستصبح أساس فيزياء الكم quantum physics فيما بعد .
إن السبب الذي يجعلك تعتقد بأن أينشتاين فاز بجائزة نوبل بسبب نظرية النسبية هو ما يسميه دانيال كانيمان Daniel Kahneman "الاستدلال المتوفر the availability heuristic ".
و الجدير بالذكر أنه هو أيضاً فاز بجائزة نوبل ، و من أحد الأشياء التي علمنا إياها هو أن عقلك يعمل على افتراض أنه "إذا كان بإمكانك التفكير في الأمر ، فلا بد أنه مهم".
و مهما كانت المعلومات التي يمكنك ربطها أولاً بمشكلة أو سؤال معين أو فكرة فإنها ستحدد إلى حد كبير رد فعلك بشأنها ، وفقاً لتلك النقطة ، فإن أول شيء ستتذكره عن أينشتاين هو ما سيشكل رد فعلك.
و يشرح كانيمان Kahneman في كتابه " التفكير السريع والبطيء Thinking Fast and Slow" ، و الذي نشر عام 2011 ، عن النظامين الموجودين في الدماغ-الأمعاء و المفكر - كما يوضح لنا أنه عندما يحارب هذين الاثنين بعضهما البعض ، فإننا نصبح عرضة لافتراضات خاطئة و قرارات خاطئة على حد سواء .
لذلك و من أجل اتخاذ قرارات أفضل ، إليك عزيزي القارئ فيما يلي 3 دروس يجب وضعها في الاعتبار :
1. نظامين مرتبطين بالذهن ، أحدهما واعٍ، و الآخر آلي - و هما يحددان سلوكك.
يصف كانيمان النظامين في ذهنك على النحو التالي:
النظام 1 : تلقائي و متهور
إنه النظام الذي تستخدمه عندما يدخل شخص ما القطار، و تقوم غريزياً بالاستدارة نحو الباب . و هو أيضاً ما يجعلك تأكل كيس رقائق البطاطس بالكامل أمام التلفزيون عندما تريد فقط الحصول على كمية بسيطة منها .
و يعتبر النظام الأول من مخلفات ماضينا و هو لازم لبقائنا على قيد الحياة. فعدم الاضطرار إلى التفكير -مثلاً- قبل القفز من السيارة حينما نضطر لذلك أمر مفيد بشكل كبير ، ألا تعتقد ذلك؟
النظام 2 : واعٍ و مدرك و مراعٍ للظروف
يساعدك هذا النظام على ممارسة ضبط النفس و زيادة تركيزك. إذ أنك و عندما تحاول العثور على صديق معين وسط حشد كبير من الناس ، سيساعدك النظام 2 على تذكر مظهره بينما يتجاهل مظهر أي شخص آخر.
يعتبر النظام الثاني الواعي و المدرك، أحد أحدث الإضافات التي قمنا بإضافتها إلى الدماغ. فهو يساعدنا على النجاح في عالم تحولت فيه أولوياتنا من العثور على الطعام و المأوى فقط، إلى اتخاذ قرارات أشد تعقيداً.
و لكن و للأسف ، لا يعمل هذان النظامان معاً في وحدة كاملة ، فهما غالباً ما يتشاجران حول من هو المسؤول الأول - و هذا الصراع سيحدد كيفية تصرفك و تعاملك مع مختلف الأمور عند اللزوم .
2. تحدث الأخطاء الفكرية عندما يحاول الدماغ اتباع طرق مختصرة
دعنا نفترض أن تكلفة مضرب البيسبول و الكرة حوالي 1.10 دولار . و تبلغ تكلفة المضرب 1 دولار أكثر من الكرة. فما هو ثمن الكرة؟
ماذا ستكون إجابتك الغريزية على هذا السؤال؟
إذا كنت خمنت أن ثمنها هو 0.10 دولار ، عندها يؤسفني عزيزي القارئ أن أخبرك أن النظام رقم 1 قد خدعك للتو . إذ أنك، لو استغرقت بعض الوقت للتفكير ، فسترى أن الكرة يجب أن تكلف 0.05 دولار فقط ، لأن المضرب يكلف دولاراً واحداً أكثر من سعر الكرة - 1.05 دولاراً - و الآن سيتم إضافة المبلغ.
ذلك ، لأنه و عندما يواجه النظام رقم 1 مشكلة صعبة لا يتمكن من حلها ، فسوف يستدعي النظام رقم 2 للعمل بناءاً على التفاصيل. حيث سيتباطأ تفكيرك ، و ستقوم بصياغة رد فعلك بشكل أفضل .
في كثير من الأحيان ، يرى عقلك أن المشاكل أبسط مما هي عليه في الواقع ، حيث يعتقد النظام رقم 1 أنه قادرعلى التعامل مع الأمر ، و حينها ينتهي بك الأمر بارتكاب خطأ.
و لكن : لماذا يقوم الدماغ بفعل هذا؟
إنه يقوم بذلك لأنه يرغب في توفير بعض الطاقة. حيث ينص قانون " بذل أقل جهد " The law of least effort على أن عقولنا تستخدم الحد الأدنى من الطاقة لكل مهمة. إلا أن هذا و في كثير من الأحيان ، يتسبب في عدم استخدام جميع نقاط معدل الذكاء لدينا عندما نكون في أمس الحاجة إليها وذلك في محاولة من الدماغ لتوفير الطاقة .
.لذا و بطريقةٍ ما ، فإن أدمغتنا تحد من ذكائنا، بجعلنا كسالى
3. عواطفك تقوم بإرباكك عند التلاعب بالأرقام
تخيل معي عزيزي القارئ هذين السيناريوهين:
- تحصل على 1000 دولار. إلا أنك بعد ذلك سيكون لديك الخيار بين تلقي 500 دولار أخرى أو المراهنة بنسبة 50٪ للفوز بـ 1000 دولار أخرى.
- تحصل على 2000 دولار. و يمكنك بعد ذلك الاختيار بين خسارة 500 دولار أو القيام بمقامرة مع فرصة 50٪ لخسارة 1000 دولار.
من الواضح أن معظم الناس سيأخذون الـ 500 دولار في الأول و لكنهم سيقومون بالمقامرة في الثانية.
و بالطبع ، فإن احتمالات الحصول على 1000 دولار أو 1500 دولار أو 2000 دولار ستكون هي نفسها.
و يعود السبب الذي يجعل الناس يفضلون المكاسب الصغيرة و الآمنة ، مع المخاطرة بعدم خسارة أي شيء ، فيما يعرف بمبدأ "تفادي الخسارة loss aversion ".
و يدور هذا القانون حول خشيتك أن تفقد ما لديك أكثر من أن لا تكسب ما تريده في النهاية.
كما أننا سندرك القيمة بناءً على النقاط المرجعية. حيث أن وضع البداية الأعلى عند 2000 دولار سيغير نظرتك ، وستريد حمايته بأي ثمن.
و في النهاية ، كلما زادت الأموال التي نملكها ، قل شعورنا بالتغييرات المحتملة .و ذلك بمعنى أن خسارة 500 دولار من 2000 دولار تبدو أصغر من ربح 500 دولار عندما يكون لديك 1000 دولار فقط ، لذلك من المرجح أن تقوم بالمقامرة .
لذلك و عندما يحين وقت التحدث عن المال ، تذكر بأن مشاعرك ستربكك بصورة كبيرة . و حاول الحصول على أفضل الاحتمالات لصالحك ، وتصرف بناءاً على ذلك .
كلمة أخيرة ....
يوضح لنا التفكير السريع و البطيء كيف يتصارع نظامان في الدماغ باستمرار للسيطرة على السلوك.
و لمنع هذه المعركة من أن تؤدي إلى أخطاء في الذاكرة و في الحكم على الأشياء و على القرارات التي تقوم بأتخاذها ، إليك فيما يلي ثلاث طرق :
- يتم تحديد سلوكك من خلال نظامين في عقلك - أحدهما واعٍ و الآخر تلقائي. و كلاهما له استخداماته ، لكنهما يعارضان بعضهما البعض.
- عقلك كسول لأنه يحاول الحفاظ على المزيد من الطاقة ، و لكن و لسوء الحظ ، فإن ميله للحفاظ على طاقته و استخدام الاختصارات يحد أحياناً من ذكائك.
- بمجرد الاحتكاك بالأرقام ، و خاصة المال ، انتقل على الفور إلى النظام رقم 2 ، و حاول ألا تعتمد على عواطفك .
و يختتم دانيال كانيمان Daniel Kahneman بقوله : "إن قناعاتناالمطمئنة بأن العالم منطقي و يستند إلى أساس آمن تعتمد على : قدرتنا المطلقة تقريباً في تجاهل ما نجهله ".
عزيزي القارئ
لأننا نهتم، نتمنى أن تكتب لنا في التعليقات عن المواضيع التي ترغب و تهتم بها لنتمكن من تقديمها لك، لرغبتنا في أن يعبِّر موقعنا عن اهتمامات القارىء العربي.
كما ونرجوا منك مشاركة المقال في حال أعجبك المحتوى.
ننصحك بقراءة المقالات التالية :
الحب يؤثر على الدماغ بخمس طرق ... ماهي؟